دكتور عبد العزيز الدوري
30
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
أساسية ، ولذا لم تثمر حتى ظهرت الحاجة إليها في العصر العباسي . ومن ناحية أخرى نجد الترجمات الأدبية والفلسفية عن الفارسية تبدأ من أواخر العصر الأموي ، ويكفي أن نذكر اسم سالم مولى هشام وابن المقفّع ( الذي برع في العصر الأموي ) وما قاما به من ترجمات في التاريخ الفارسي والأدب لنعرف أنّ الترجمة عن الفارسية في العصر العباسي هي استمرار نشيط لما قام به الأمويون . ولا ينبغي أن ننسى أنّ حركة الترجمة عن الفارسية في الأدب والدين قامت بدور مهم في الحركة العلمية العامة ، ولكنها لم تسجل بعناية لأنّ موضوعاتها لا تنسجم والاتجاه العربي الإسلامي ولأنها لم تكن بإشراف الدولة . والحركة الشعوبية التي تعد من مظاهر الحياة العامة في العصر العباسي بدأت من العصر الأموي ، وقامت بدور مهم . ولكنها كانت تتستر وراء المساواة الإسلامية ، فلما أزيح الستار بإشراك الفرس في الحكم ظهرت بشكلها المفضوح المعادي لكل ما هو عربي إسلامي . ونظرية العباسيين في الحكم - وهي أنهم عائلة مختارة من اللّه وأنّ سلطتهم مستمدة من اللّه ، وأنّ حكمهم خالد ، وأنّ الأرض لن تخلو من إمام عباسي أبد الدهر ، وأنه لا معنى للرأي العام في الحكم - أقول حتى هذه النظرية نشأت عندهم وعند العلويين في العصر الأموي نفسه . ولكنهم نادوا بها حين وصلوا إلى الحكم . ومع أنّ الوزارة أسندت إلى الفرس في العصر العباسي الأول ، فإن ذلك لم يكن كما يفسر وهو نتيجة ضعف العرب في الكتابة ومقدرة الفرس ، فالعرب العباسيون أوغلوا في الثقافة أكثر من الأمويين ، ونحن نرى عربا قاموا بالكتابة في العصر الأموي ، ونرى عربا برعوا فيها في العصر العباسي . ويجب أن لا ننسى أنّ الكتابة كانت بالعربية . فلا يمكننا أن نقبل هذا السبب لإسناد الوزارة إلى الفرس ، ولكن السبب - كما يظهر لي - هو في رغبة العباسيين في تحقيق التعاون بين العرب والفرس في الحياة العامة ، وتدعيمه لتثبيت أسس دولتهم التي تريد إشراك الفرس ولا تريد إهمال العرب . وهذا يتضح إذا تذكرنا فترة الدعوة العباسية حين كان الإمام المدعو له عباسيا ( وهذا تعرفه حلقة الدعاة ) ورئيس الدعوة فارسيا ، فلما جاء العباسيون إلى الحكم أصبح الإمام خليفة ورئيس الدعاة وزيرا . وبذا كان الوزراء عنوان هذا التعاون . ولعلنا نكون أدق إذا قلنا التعاون بين العرب والموالي لأنّ بعض الوزراء كما يظهر لم يكونوا فرسا بل موالي من غير الفرس . فأبو أيوب المورياني كان من الأهواز وقد شتمه المنصور قائلا : « يا خوزي » ولم نعرف أنّ النسبة الفارسية كانت منقصة عند العباسيين ليشتم أبو أيوب لفارسيته . ولكن يتضح سبب نسبتهم جميعا إلى الفرس إذا